يُعدّ جبل الأخضر جزءًا من جبال الحجر، التي تتكون من الحجر الجيري والدولوميت، وتتميز بأودية ومنحدرات شديدة الانحدار تُشكّل هلالًا في شمال عُمان. وتتركز منطقة هضبة جبل الأخضر حول قرية سيق والمستوطنات المحيطة بها. ويُضفي ارتفاعها الشاهق مناخًا مختلفًا تمامًا عن مناخ مسقط أو نزوى الواقعتين أسفلها.
في الصيف، بينما قد تتجاوز درجات الحرارة في مسقط 40 درجة مئوية، يبقى جبل الأخضر معتدلاً، حيث تتراوح درجات الحرارة نهاراً حول 25 درجة مئوية وتنخفض ليلاً. أما ليالي الشتاء فقد تكون باردة، خاصة في ديسمبر ويناير، حيث تنخفض درجات الحرارة أحياناً إلى ما دون الصفر، وقد يُرى تساقط خفيف للثلوج أحياناً على أعلى القمم.
تتلقى المنطقة كمية أمطار أكبر من الأراضي المنخفضة، مع هطول أمطار متقطعة وأحيانًا تساقط البرد. تساعد هذه الرطوبة في الحفاظ على خضرة الأرض، مما يدعم نمو العرعر والزيتون البري والشجيرات الأخرى، بالإضافة إلى المدرجات الزراعية التي تظل خصبة طوال معظم أيام السنة.

تاريخ جبل الأخضر وإمكانية الوصول إليه
لسنوات عديدة، ظل جبل الأخضر معزولاً عن غيره. فقد أبقت المنحدرات الشديدة القرى مخفية، لا يمكن الوصول إليها إلا عبر مسارات وعرة تسلكها الحمير. وفي أواخر خمسينيات القرن الماضي، أصبحت الجبال مسرحاً لتمرد ضد السلطان خلال حرب الجبل الأخضر، والتي استمرت من عام 1954 إلى عام 1959. استخدم المتمردون التضاريس الوعرة كحصن طبيعي، وصمدوا حتى ساعدت القوات البريطانية في قمعهم.
بعد ذلك، وطوال معظم القرن العشرين، ظل الوصول إلى الجبل محدودًا، ويعود ذلك جزئيًا لأسباب عسكرية، وجزئيًا إلى سوء حالة الطرق. ولم يُشق طريق مناسب إلى أعلى الجبل إلا في العقد الأول من الألفية الثانية. وحتى يومنا هذا، لا يزال يتعين على الزوار المرور عبر نقطة تفتيش تابعة للشرطة، على الرغم من أنها لا تخدم غرضًا محددًا ولا تفرض أي قيود. إنما وُضعت هذه النقطة لضمان السماح فقط لسيارات الدفع الرباعي بالصعود إلى قاعدة الجبل في بركة الموز لأسباب أمنية.
الطريق المعبد، الذي اكتمل بناؤه حوالي عام 2006، يلتفّ بمنعطفات حادة وحواجز أمان، مما يجعله من أجمل الطرق في عُمان. ما كان يستغرق يومًا كاملاً من المشي أصبح الآن لا يتطلب سوى رحلة بالسيارة من سفوح الجبال إلى سيق، تستغرق من 30 إلى 40 دقيقة فقط. وبفضل سهولة الوصول إلى الجبل الأخضر، لم يحظَ باهتمام سياحي إلا مؤخرًا. ولذلك، لا تزال بيئته خلابة وطبيعية.
الزراعة المدرجة في الجبل الأخضر
أول ما يلفت انتباهك في الجبل الأخضر هو الحقول المدرجة، وهي نظام زراعي متدرج يُمارس على المنحدرات. وقد بنى المزارعون هذه الحقول المدرجة على مرّ القرون لزراعة المحاصيل على الأراضي شديدة الانحدار. ويُعدّ الرمان أشهر منتجات المنطقة، إذ يتميز ببذوره الحمراء الياقوتية الزاهية ونكهته المتوازنة بين الحلاوة والحموضة، مما يجعله الأفضل في عُمان.
إذا صادفت زيارتك أواخر الصيف، فسيكون موسم الحصاد، وقد ترى بساتين مثقلة بالفاكهة ومزارعين يحملون سلالاً مليئة بالرمان. كما تُزرع في هذه المنطقة المشمش والخوخ والعنب والتين والإجاص واللوز. ويُتيح مناخ الجبال المعتدل للمزارعين زراعة فواكه لا تستطيع النمو في الأراضي المنخفضة الحارة. وتتميز العديد من البساتين بأسوار حجرية وقنوات ري معقدة، تُعرف باسم الأفلاج، والتي تجلب المياه من مصادر قريبة.

إنّ أجمل محاصيل منطقة الجبل الأخضر بلا منازع هي وردة دمشق. فمن مارس إلى أبريل، تكتسي الحقول المدرجة حول قرى مثل العين وشريجة باللون الورديّ مع آلاف الورود الدمشقية المتفتحة. وأفضل وقت لمشاهدتها هو الصباح الباكر، حين يلتصق الندى بتلاتها.
يستخدم السكان المحليون هذه الورود لصنع ماء الورد، وهو مكون أساسي في صناعة العطور ومستحضرات التجميل والطبخ العماني. قد تصادف أكواخًا حجرية صغيرة بها أوانٍ نحاسية ونار مشتعلة في داخلها؛ هذه هي معاصر تقطير ماء الورد. يملأ المزارعون إناءً بالبتلات والماء، ويسخنونه لساعات، ثم يجمعون البخار المتصاعد كماء ورد نقي.
إذا زرت المنطقة خلال موسم الورد، فغالباً ما يدعوك القرويون لمشاهدة عملية العصر ويبيعون لك ماء الورد الطازج. حتى خارج موسم الورد، يمكنك عادةً شراء ماء الورد وبراعم الورد المجففة من السوق المحلي في سيق.
القرى والحياة التقليدية في الجبل الأخضر
تضمّ منطقة الجبل الأخضر العديد من القرى الصغيرة المبنية من الحجر أو الطوب اللبن، ولكل منها مسجد أو مسجدان. وتُعدّ سيق المدينة الرئيسية، حيث تضمّ مركزًا للشرطة، ومستشفى صغيرًا، وعدة فنادق، وسوقًا يبيع فيه السكان المحليون الفواكه والخضراوات وغيرها من السلع. وتُمثّل المدينة مركزًا حيويًا للهضبة. أما القرى الصغيرة المتناثرة على أطراف الأودية، فتُضفي سحرًا أصيلًا على المنطقة.
في وادي بني حبيب، ستسلك درجًا حجريًا ينزل بك إلى وادٍ تنتشر فيه أشجار الجوز والمنازل القديمة. لا تزال بعض المنازل قائمةً بارتفاع طابقين، مبنية من الحجر والطين، وتربطها عوارض خشبية. سكنت العائلات هنا حتى ثمانينيات القرن الماضي، ثم انتقلت إلى منازل أحدث في الجوار.

التجول في القرية يُشعرك وكأنك عدت بالزمن إلى الوراء. الأبواب الفارغة، والأسقف المتداعية، والأزقة الضيقة تُظهر كيف كان الناس يزرعون المدرجات الزراعية في الأسفل ويعيشون في هدوء لأجيال. وكثيراً ما يتوقف المصورون لالتقاط سحر المكان الخالد.
لا تزال قرى مثل العقار والعين وشريجة، المعروفة بقرى الورود، مأهولة بالسكان. يزرع الناس المحاصيل، ويربون الماعز والأبقار، وينخرطون أيضاً في السياحة. ترتدي النساء فساتين زاهية وحجابات أثناء عملهن في الحقول أو نثر بتلات الورد لتجفيفها. أما الرجال فيقومون بتقليم أشجار الرمان، وإصلاح قنوات الري، والعناية بالبساتين.
يشعر الزوار بكرم الضيافة العمانية الأصيلة، حيث يرحب بهم السكان المحليون بحفاوة، ويقدمون لهم الفاكهة، ويبادرون بالحديث معهم بودّ. من المستحسن تعلم بعض الكلمات العربية الأساسية للتحية، مثل "السلام عليكم" و"شكرًا"، مما يُسهّل التواصل مع الآخرين. يتحدث العديد من شباب القرى الإنجليزية، مما يجعل الحديث معهم عن الحياة في الجبل أمرًا سهلاً وممتعًا.
أشياء يمكنك القيام بها في الجبل الأخضر
يُعد جبل الأخضر المكان الأمثل لكل من يستمتع بالمشي في الطبيعة والاستمتاع بالمناظر الخلابة والواسعة. وزارة السياحة تم تحديد العديد من المسارات. أحد المسارات الشهيرة، والذي يُطلق عليه اسم "مسار القرية"، يربط بين العين والشريجة، ويمر عبر حقول مدرجة وعلى طول منحدرات خلابة. إنه مسار سهل يستغرق عادةً من ساعة إلى ساعتين.
لمزيد من المغامرة، يمكنك اتباع درب وادي بني حبيب بعد القرية المهجورة. يتطلب المسار بعض التسلق عبر الوادي، لكنه يكافئك ببساتين وارفة ويؤدي إلى بلدة أخرى. أحضر معك الماء وحذاءً متيناً، فالجبل رائع، لكن الشمس قد تكون حارقة.
إذا كنت تفضل خيارًا أقل إرهاقًا، ففكر في القيادة إلى نقطة ديانا. سُميت هذه النقطة تيمنًا بالأميرة ديانا، نسبةً إلى زيارتها عام ١٩٨٦، حيث يُقال إنها استمتعت بنزهة هناك. يقع هذا الموقع بالقرب من منتجع أليلا الجبل الأخضر.

حتى لو لم تكن مقيمًا في المنتجع، يمكنك عادةً الوصول إلى الشرفة من خلال حجز في أحد المطاعم أو بالتنسيق مع أحد العاملين. المنظر خلاب: وادٍ شاسع يمتد أمامك، وجروف صخرية متداخلة، وقرى مدرجة متناثرة في الأفق. عند الغروب، تكتسي الجروف بلون برتقالي متوهج، ويُثير اتساع المشهد إعجابًا كبيرًا. إنها واحدة من أفضل نقاط المشاهدة في عُمان، ومكان مثالي لالتقاط الصور أو لقضاء لحظات هادئة ورومانسية.
يضم جبل الأخضر الآن منتجعين فاخرين، هما أليلا وأنانتارا، يندمجان بسلاسة مع المناظر الجبلية الخلابة بمبانيهما الحجرية بدلاً من الأبراج الشاهقة. يوفران فرص عمل للسكان المحليين، كما أضافا خيارات راقية لتناول الطعام للزوار. يوجد أيضاً نزل صغير تديره الحكومة، بالإضافة إلى بعض بيوت الضيافة المحلية، مما يتيح للمسافرين خيارات تناسب مختلف الميزانيات مع نمو السياحة في المنطقة.
النباتات والحيوانات
جبل الأخضر يزخر بالحياة خارج بساتين الفاكهة، حيث تنمو نباتات مثل أشجار العرعر وأعشاب برية كالزعتر والأوريجانو، ويمكنك غالباً أن تستنشق عبيرها أثناء المشي. وفي الربيع، تُزيّن الأزهار البرية الملونة سفوح الجبل، مضيفةً لمسةً من الألوان الزاهية.
انتبه للطيور أيضًا؛ تحلق الصقور الأوراسية في السماء، وقد يجثم طائر الوروار الهندي الزاهي على غصن قريب. تجوب ثعالب الجبال والماعز البري المنطقة، على الرغم من أنها تبقى مختبئة ويصعب رصدها. في الليل، تجعل السماء الصافية والتلوث الضوئي المنخفض من مراقبة النجوم تجربة ساحرة حقًا.
نصائح عملية للزيارة
تُعدّ سيارة الدفع الرباعي الأنسب للوصول إلى الجبل الأخضر. قد تتسبب الطرق شديدة الانحدار في ارتفاع درجة حرارة السيارات الصغيرة، كما يتحقق مركز الشرطة في بركة الموز من صلاحية سيارتك للطريق. يمكن للسياح المرور بسهولة إذا كانت سياراتهم تستوفي الشروط. يُنصح بإحضار سترة خفيفة أو شال حتى في الأشهر الدافئة، لأن الأمسيات قد تصبح باردة بشكل مفاجئ، خاصةً مع وجود نسيم عليل.
يوجد في سايق بعض المتاجر الصغيرة للوجبات الخفيفة، لكن لا تتوقع وجود متاجر كبيرة على الجبل، لذا احمل معك أي شيء قد تحتاجه. جهّز كاميرتك، فالمناظر والإضاءة هنا تُتيح لك التقاط صور رائعة. إذا زرت المنطقة في مارس أو أبريل خلال موسم الورود، ففكّر في زيارة قرى الورود صباح أحد أيام الأسبوع لمشاهدة السكان المحليين وهم يقطفون الورود؛ أما في عطلات نهاية الأسبوع، فقد يكون المكان أكثر ازدحامًا بالزوار المحليين.
لماذا يُعدّ الجبل الأخضر مميزاً؟
في بلدٍ تشتهر بصحاريها وشواطئها، يكشف الجبل الأخضر عن وجهٍ آخر لعُمان، قلبها الجبلي النابض. هنا، لا تزال التقاليد مزدهرة. يمكنك أن ترى المياه تتدفق عبر قنوات الريّ الفلج، ولا يزال مزارعو الجبال يعملون في مدرجاتهم الزراعية كما كان يفعل أسلافهم، وإن كان ذلك بلمساتٍ عصرية.
تتميز المدرجات الزراعية بجمالها وفائدتها العملية، إذ تشكلت عبر أجيال من الخبرة في زراعة المحاصيل على المنحدرات الشديدة. تتيح لك زيارة الجبل الأخضر استنشاق هواء الجبال النقي، والتأمل في الوديان الشاسعة التي تُشعرك بصغر حجمك أمام عظمة الطبيعة، وتجربة نمط حياة أبطأ وأبسط.
سواء أتيت في رحلة ليوم واحد هربًا من الحر أو لقضاء بضع ليالٍ والاستمتاع بالهدوء، فإن جبل الأخضر يُقدم لحظات منعشة تترك انطباعًا لا يُنسى. يصل العديد من المسافرين متوقعين صخورًا جافة ومناظر طبيعية وعرة، لكنهم يجدون بدلًا من ذلك مدرجات خضراء وقرى نابضة بالحياة. غالبًا ما يُصبح الجبل الأخضر من أبرز معالم رحلتهم. رحلة إلى عُمانليست مثيرة للاهتمام، لكنها تتمتع بمناظر هادئة وسحر طبيعي.
مع استمرار التطوير بحرص، تبقى بيئة الجبل وثقافته محمية. توفر زيارة هذا المكان تجربة لا تُنسى، وتتيح لك دعم المجتمعات المحلية، ومشاركة تراث الجبل الأخضر مع العالم.
